محمد ابو زهره
6
خاتم النبيين ( ص )
يا رسول الله : إننا نكتب في العظماء لنصور نواحي عظمتهم ، ولكل عظيم ناحية واحدة من نواحي العظمة ، فالاتجاه إلى تلك الناحية هو مفتاح عظمته ، فتسهل معرفته ، ولكنك يا رسول الله فوق عظمة الأشخاص ، لأن وجوه عظمتك تعددت ، حتى يعجز المحصى عن الإحصاء ، والمستقرئ عن الاستقراء ، وإذا نفدت الطاقة أقر مطمئنا بعجزه ، ومؤمنا بأن وجودك في هذا الوجود معجزة البشر ، فإذا كنت من البشر ، ولست في كونك إلا بشرا ، فلست إلها ، ولست ملكا من الملائكة ، فإنك في مقام أعلى من سائر البشر ومن الملائكة ، صانك ربك ، وحفظك ورباك على عينه ، حتى كنت وحيدا بين الغلمان ، بما كلأك الله به وحماك ، وصبيا فريدا بين الصبيان ، وكنت الشاب الأمين عن رجس الجاهلية بين الشباب ، فكل شئ في حياتك الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسببات ، فلم تكن أثر تربية موجهة ، ولا أثر بيئة حاملة ، ولا أثر شرف رفيع ، وإن كان محققا ، ولكنك كنت صنيع الله ، فكنت معجزة بشخصك وكونك ووجودك ، فيك البشرية ، وفيك المعجزة الإلهية اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ « 1 » . يا رسول الله يا خير البشر : كنت ذا الخلق القويم ، والسياسي الحكيم ، والقائد العظيم ، والحاكم الرفيق ، والمربى لأمتك بالشورى ، والوحي ينزل إليك ، وكنت الرؤف بأمتك ، والمحارب الرحيم ، وحامل لواء السلام في مرحمة النبي ، وعزة القوى ، أنشأت جماعة مؤمنة ابتدأت بها بذرا صالحا ، وأخذ ينمو في بيئتك الطاهرة ، مختفيا في خلايا الإيمان ، حتى أخرج شطأه ، فظهر متعرضا لمقاومة الحدثان ، قويا في تكوينه حتى استغلظ واستوى على سوقه ، وصار قوة الحق في الأرض ، وكنت كما قال الله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ « 2 » وكل ذلك بتوجيه ربك ، وإلهام نفسك ، وعلو فكرك ، وقوة قلبك ، فمن أي ناحية يدرس حياتك الدارس ، وقد كان كل شئ فيك قويا عظيما ، كما قال فيك ربك ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 3 » . اللهم ربى ، ولا خالق سواك ، ولا إله غيرك . . وليس كمثلك شئ ، وأنت السميع البصير ، خلقت محمدا من البشر ، وجعلته سيد البشر ، وأرسلته رحمة للعالمين ، وإذا كان وجوده وما أحاط به خارقا للأسباب والمسببات فقد أرسلته بمعجزة لا تزال تتحدى الخليقة إلى يوم الدين .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 124 . ( 2 ) سورة الفتح : 29 . ( 3 ) سورة القلم : 4 .